فصل: صَوْمُ النّذر

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


صَوْمُ التَّطوّع

التّعريف

1 - الصّوم لغةً‏:‏ مطلق الإمساك‏.‏

واصطلاحاً‏:‏ إمساك عن المفطرات حقيقةً أو حكماً في وقت مخصوص من شخص مخصوص مع النّيّة‏.‏

والتّطوّع اصطلاحاً‏:‏ التّقرّب إلى اللّه تعالى بما ليس بفرض من العبادات‏.‏

وصوم التّطوّع‏:‏ التّقرّب إلى اللّه تعالى بما ليس بفرض من الصّوم‏.‏

فضل صوم التّطوّع

2 - ورد في فضل صوم التّطوّع أحاديث كثيرة، منها‏:‏

حديث سهل رضي الله تعالى عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ » إنّ في الجنّة باباً يقال له‏:‏ الرّيّان، يدخل منه الصّائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم‏.‏ فيقال‏:‏ أين الصّائمون‏؟‏ فيقومون، لا يدخل منه أحد غيرهم‏.‏ فإذا دخلوا أغلق، فلم يدخل منه أحد «

ومنها ما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ » من صام يوماً في سبيل اللّه باعد اللّه تعالى وجهه عن النّار سبعين خريفاً «‏.‏

أنواع صوم التّطوّع

3 - قسّم الحنفيّة صوم التّطوّع إلى مسنون، ومندوب، ونفل‏.‏

فالمسنون‏:‏ عاشوراء مع تاسوعاء‏.‏

والمندوب‏:‏ صوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر، وصوم يوم الاثنين والخميس، وصوم ستّ من شوّال، وكلّ صوم ثبت طلبه والوعد عليه‏:‏ كصوم داود عليه الصلاة والسلام، ونحوه‏.‏ والنّفل‏:‏ ما سوى ذلك ممّا لم تثبت كراهته‏.‏

وقسّم المالكيّة - أيضاً - صوم التّطوّع إلى ثلاثة أقسام‏:‏

سنّة، ومستحبّ، ونافلة‏.‏

فالسّنّة‏:‏ صيام يوم عاشوراء‏.‏

والمستحبّ‏:‏ صيام الأشهر الحرم، وشعبان، والعشر الأول من ذي الحجّة، ويوم عرفة، وستّة أيّام من شوّال، وثلاثة أيّام من كلّ شهر، ويوم الاثنين والخميس‏.‏

والنّافلة‏:‏ كلّ صوم لغير وقت ولا سبب، في غير الأيّام الّتي يجب صومها أو يمنع‏.‏

وعند الشّافعيّة والحنابلة‏:‏ صوم التّطوّع والصّوم المسنون بمرتبة واحدة‏.‏

أحكام النّيّة في صوم التّطوّع

أ - وقت النّيّة‏:‏

4 - ذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى أنّه لا يشترط تبييت النّيّة في صوم التّطوّع، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت‏:‏ » دخل عليّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال‏:‏ هل عندكم شيء‏؟‏ فقلنا‏:‏لا، فقال‏:‏ فإنّي إذاً صائم « وذهب المالكيّة إلى أنّه يشترط في نيّة صوم التّطوّع التّبييت كالفرض‏.‏

لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ » من لم يبيّت الصّيام من اللّيل فلا صيام له « فلا تكفي النّيّة بعد الفجر، لأنّ النّيّة‏:‏ القصد، وقصد الماضي محال عقلاً‏.‏

5- واختلف جمهور الفقهاء في آخر وقت نيّة التّطوّع‏:‏

فذهب الحنفيّة‏:‏ إلى أنّ آخر وقت نيّة صوم التّطوّع الضّحوة الكبرى‏.‏ والمراد بها‏:‏ نصف النّهار الشّرعيّ، والنّهار الشّرعيّ‏:‏ من استطارة الضّوء في أفق المشرق إلى غروب الشّمس، ونصّوا على أنّه لا بدّ من وقوع النّيّة قبل الضّحوة الكبرى، فلا تجزئ النّيّة عند الضّحوة الكبرى اعتباراً لأكثر اليوم كما قال الحصكفيّ‏.‏

وذهب الشّافعيّة‏:‏ إلى أنّ آخر وقت نيّة صوم التّطوّع قبل الزّوال، واختصّ بما قبل الزّوال لما روي‏:‏» أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة يوماً‏:‏ هل عندكم شيء‏؟‏ قالت‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فإنّي إذن صائم «‏.‏ إذ الغداء اسم لما يؤكل قبل الزّوال، والعشاء اسم لما يؤكل بعده، ولأنّه مضبوط بيّن، ولإدراك معظم النّهار به كما في ركعة المسبوق‏.‏

قال الشّربينيّ الخطيب‏:‏ وهذا جرى على الغالب ممّن يريد صوم النّفل وإلاّ فلو نوى قبل الزّوال - وقد مضى معظم النّهار - صحّ صومه‏.‏

وذهب الحنابلة - والشّافعيّة في قول مرجوح - إلى امتداد وقت النّيّة إلى ما بعد الزّوال، قالوا‏:‏ إنّه قول معاذ وابن مسعود وحذيفة، ولم ينقل عن أحد من الصّحابة - رضي الله عنهم - ما يخالفه صريحاً، ولأنّ النّيّة وجدت في جزء النّهار، فأشبه وجودها قبل الزّوال بلحظة‏.‏

ويشترط لصحّة نيّة النّفل في النّهار‏:‏ أن لا يكون فعل ما يفطره قبل النّيّة، فإن فعل فلا يجزئه الصّوم حينئذ‏.‏

ب - تعيين النّيّة‏:‏

6 - اتّفق الفقهاء على أنّه لا يشترط في نيّة صوم التّطوّع التّعيين، فيصحّ صوم التّطوّع بمطلق النّيّة، وقال النّوويّ‏:‏ وينبغي أن يشترط التّعيين في الصّوم المرتّب، كصوم عرفة، وعاشوراء، والأيّام البيض، والسّتّة من شوّال، ونحوها، كما يشترط ذلك في الرّواتب من نوافل الصّلاة‏.‏

والمعتمد عند الشّافعيّة خلاف ما صرّح به النّوويّ، قال المحلّيّ‏:‏ ويجاب بأنّ الصّوم في الأيّام المذكورة منصرف إليها، بل لو نوى به غيرها حصلت أيضاً - كتحيّة المسجد - لأنّ المقصود وجود الصّوم فيها، قال القليوبيّ‏:‏ هذا الجواب معتمد من حيث الصّحّة، وإن كان التّعيين أولى مطلقاً‏.‏

ما يستحبّ صيامه من الأيّام

أ - صوم يوم وإفطار يوم‏:‏

7 - من صيام التّطوّع صوم يوم وإفطار يوم، وهو أفضل صيام التّطوّع، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ » أحبّ الصّلاة إلى اللّه صلاة داود عليه السلام، وأحبّ الصّيام إلى اللّه صيام داود‏:‏ وكان ينام نصف اللّيل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يوماً ويفطر يوماً«‏.‏

ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعبد اللّه بن عمرو رضي الله عنهما‏:‏ » صم يوماً وأفطر يوماً، فذلك صيام داود عليه السلام، وهو أفضل الصّيام، فقلت‏:‏ إنّي أطيق أفضل من ذلك‏.‏ فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا أفضل من ذلك «‏.‏

قال البهوتيّ‏:‏ لكنّه مشروط بأن لا يضعف البدن حتّى يعجز عمّا هو أفضل من الصّيام، كالقيام بحقوق اللّه تعالى وحقوق عباده اللازمة، وإلاّ فتركه أفضل‏.‏

ب - صوم عاشوراء وتاسوعاء‏:‏

8 - اتّفق الفقهاء على سنّيّة صوم عاشوراء وتاسوعاء - وهما‏:‏ اليوم العاشر، والتّاسع من المحرّم - لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في صوم عاشوراء‏:‏ » أحتسب على اللّه أن يكفّر السّنة الّتي قبله «‏.‏

ولحديث معاوية رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ » هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب اللّه عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر«‏.‏

وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ » لئن بقيت إلى قابل لأصومنّ التّاسع «‏.‏

وقد كان صوم يوم عاشوراء فرضاً في الإسلام، ثمّ نسخت فرضيّته بصوم رمضان، فخيّر النّبيّ صلى الله عليه وسلم المسلمين في صومه، وهو اختيار كثيرين واختيار الشّيخ تقيّ الدّين من الحنابلة، وهو الّذي قاله الأصوليّون‏.‏

وصوم يوم عاشوراء - كما سبق في الحديث الشّريف - يكفّر ذنوب سنة ماضية‏.‏ والمراد بالذّنوب‏:‏ الصّغائر، قال الدّسوقيّ‏:‏ فإن لم يكن صغائر، حتّت من كبائر سنة، وذلك التّحتيت موكول لفضل اللّه، فإن لم يكن كبائر رفع له درجات‏.‏

وقال البهوتيّ‏:‏ قال النّوويّ في شرح مسلم عن العلماء‏:‏ المراد كفّارة الصّغائر، فإن لم تكن له صغائر رجي التّخفيف من الكبائر، فإن لم تكن له كبائر رفع له درجات‏.‏

وصرّح الحنفيّة‏:‏ بكراهة صوم يوم عاشوراء منفرداً عن التّاسع، أو عن الحادي عشر‏.‏ كما صرّح الحنابلة‏:‏ بأنّه لا يكره إفراد عاشوراء بالصّوم، وهذا ما يفهم من مذهب المالكيّة‏.‏

قال الحطّاب‏:‏ قال الشّيخ زرّوق في شرح القرطبيّة‏:‏ واستحبّ بعض العلماء صوم يوم قبله ويوم بعده، وهذا الّذي ذكره عن بعض العلماء غريب لم أقف عليه‏.‏

وذكر العلماء في حكمة استحباب صوم تاسوعاء أوجهاً‏:‏

أحدها‏:‏ أنّ المراد منه مخالفة اليهود في اقتصارهم على العاشر، وهو مرويّ عن ابن عبّاس رضي الله عنهما فقد روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ » صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود وصوموا قبله يوماً أو بعده يوماً «‏.‏

الثّاني‏:‏ أنّ المراد به وصل يوم عاشوراء بصوم، كما نهى أن يصوم يوم الجمعة وحده‏.‏ الثّالث‏:‏ الاحتياط في صوم العاشر خشية نقص الهلال ووقوع الغلط، فيكون التّاسع في العدد هو العاشر في نفس الأمر‏.‏

واستحبّ الحنفيّة والشّافعيّة صوم الحادي عشر، إن لم يصم التّاسع‏.‏

قال الشّربينيّ الخطيب‏:‏ بل نصّ الشّافعيّ في الأمّ والإملاء على استحباب صوم الثّلاثة‏.‏

ج - صوم يوم عرفة‏:‏

9 - اتّفق الفقهاء على استحباب صوم يوم عرفة لغير الحاجّ - وهو‏:‏ اليوم التّاسع من ذي الحجّة - وصومه يكفّر سنتين‏:‏ سنةً ماضيةً، وسنةً مستقبلةً، روى أبو قتادة رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ » صيام يوم عرفة، أحتسب على اللّه أن يكفّر السّنة الّتي قبله، والسّنة الّتي بعده «‏.‏

قال الشّربينيّ الخطيب‏:‏ وهو أفضل الأيّام لحديث مسلم‏:‏ » ما من يوم أكثر من أن يعتق اللّه فيه عبداً من النّار من يوم عرفة «‏.‏

وذهب جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى عدم استحبابه للحاجّ، ولو كان قويّاً، وصومه مكروه له عند المالكيّة والحنابلة، وخلاف الأولى عند الشّافعيّة، لما روت أمّ الفضل بنت الحارث رضي الله عنهما‏:‏ » أنّها أرسلت إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بقدح لبن، وهو واقف على بعيره بعرفة، فشرب «‏.‏

وعن ابن عمر رضي الله عنهما‏:‏ » أنّه حجّ مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثمّ أبي بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان، فلم يصمه أحد منهم «، لأنّه يضعفه عن الوقوف والدّعاء، فكان تركه أفضل، وقيل‏:‏ لأنّهم أضياف اللّه وزوّاره‏.‏

وقال الشّافعيّة‏:‏ ويسنّ فطره للمسافر والمريض مطلقاً، وقالوا‏:‏ يسنّ صومه لحاجّ لم يصل عرفة إلاّ ليلاً، لفقد العلّة‏.‏

وذهب الحنفيّة إلى استحبابه للحاجّ - أيضاً - إذا لم يضعفه عن الوقوف بعرفات ولا يخلّ بالدّعوات، فلو أضعفه كره له الصّوم‏.‏

د - صوم الثّمانية من ذي الحجّة‏:‏

10 - اتّفق الفقهاء على استحباب صوم الأيّام الثّمانية الّتي من أوّل ذي الحجّة قبل يوم عرفة، لحديث ابن عبّاس‏:‏ رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً‏:‏ » ما من أيّام العمل الصّالح فيها أحبّ إلى اللّه من هذه الأيّام - يعني أيّام العشر - قالوا‏:‏ يا رسول اللّه ولا الجهاد في سبيل اللّه‏؟‏ قال‏:‏ ولا الجهاد في سبيل اللّه، إلاّ رجل خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء «‏.‏

قال الحنابلة‏:‏ وآكده‏:‏ الثّامن، وهو يوم التّروية‏.‏

وصرّح المالكيّة‏:‏ بأنّ صوم يوم التّروية يكفّر سنةً ماضيةً‏.‏

وصرّح المالكيّة، والشّافعيّة‏:‏ بأنّه يسنّ صوم هذه الأيّام للحاجّ أيضاً‏.‏

واستثنى المالكيّة من ذلك صيام يوم التّروية للحاجّ‏.‏

قال في المتيطيّة‏:‏ ويكره للحاجّ أن يصوم بمنىً وعرفة تطوّعاً‏.‏

قال الحطّاب‏:‏ بمنىً يعني في يوم التّروية، يسمّى عند المغاربة‏:‏ يوم منىً‏.‏

هـ – صوم ستّة أيّام من شوّال‏:‏

11 – ذهب جمهور الفقهاء – المالكيّة، والشّافعيّة، والحنابلة ومتأخّرو الحنفيّة – إلى أنّه يسنّ صوم ستّة أيّام من شوّال بعد صوم رمضان، لما روى أبو أيّوب رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ » من صام رمضان، ثمّ أتبعه ستّاً من شوّال، كان كصيام الدّهر «‏.‏

وعن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ » صيام شهر رمضان بعشرة أشهر وستّة أيّام بعدهنّ بشهرين، فذلك تمام سنة « يعني‏:‏ أنّ الحسنة بعشرة أمثالها‏:‏ الشّهر بعشرة أشهر، والأيّام السّتّة بستّين يوماً، فذلك سنة كاملة‏.‏ وصرّح الشّافعيّة، والحنابلة‏:‏ بأنّ صوم ستّة أيّام من شوّال - بعد رمضان - يعدل صيام سنة فرضاً، وإلاّ فلا يختصّ ذلك برمضان وستّة من شوّال، لأنّ الحسنة بعشرة أمثالها‏.‏ ونقل عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - كراهة صوم ستّة من شوّال، متفرّقاً كان أو متتابعاً‏.‏

وعن أبي يوسف‏:‏ كراهته متتابعاً، لا متفرّقاً‏.‏ لكن عامّة المتأخّرين من الحنفيّة لم يروا به بأساً‏.‏

قال ابن عابدين، نقلاً عن صاحب الهداية في كتابه التّجنيس‏:‏ والمختار أنّه لا بأس به، لأنّ الكراهة إنّما كانت لأنّه لا يؤمن من أن يعدّ ذلك من رمضان، فيكون تشبّهاً بالنّصارى، والآن زال ذلك المعنى، واعتبر الكاسانيّ محلّ الكراهة‏:‏ أن يصوم يوم الفطر، ويصوم بعده خمسة أيّام، فأمّا إذا أفطر يوم العيد ثمّ صام بعده ستّة أيّام فليس بمكروه، بل هو مستحبّ وسنّة‏.‏

وكره المالكيّة صومها لمقتدىً به، ولمن خيف عليه اعتقاد وجوبها، إن صامها متّصلةً برمضان متتابعةً وأظهرها، أو كان يعتقد سنّيّة اتّصالها، فإن انتفت هذه القيود استحبّ صيامها‏.‏

قال الحطّاب‏:‏ قال في المقدّمات‏:‏ كره مالك - رحمه الله تعالى - ذلك مخافة أن يلحق برمضان ما ليس منه من أهل الجهالة والجفاء، وأمّا الرّجل في خاصّة نفسه فلا يكره له صيامها‏.‏

وصرّح الشّافعيّة، والحنابلة‏:‏ بأنّه لا تحصل الفضيلة بصيام السّتّة في غير شوّال، وتفوت بفواته، لظاهر الأخبار‏.‏

ومذهب الشّافعيّة‏:‏ استحباب صومها لكلّ أحد، سواء أصام رمضان أم لا، كمن أفطر لمرض أو صباً أو كفر أو غير ذلك، قال الشّربينيّ الخطيب‏:‏ وهو الظّاهر، كما جرى عليه بعض المتأخّرين، وإن كانت عبارة كثيرين‏:‏ يستحبّ لمن صام رمضان أن يتبعه بستّ من شوّال كلفظ الحديث‏.‏

وعند الحنابلة‏:‏ لا يستحبّ صيامها إلاّ لمن صام رمضان‏.‏

12 - كما ذهب الشّافعيّة وبعض الحنابلة إلى أفضليّة تتابعها عقب العيد مبادرةً إلى العبادة، ولما في التّأخير من الآفات‏.‏

ولم يفرّق الحنابلة بين التّتابع والتّفريق في الأفضليّة‏.‏

وعند الحنفيّة تستحبّ السّتّة متفرّقةً‏:‏ كلّ أسبوع يومان‏.‏

أمّا المالكيّة‏:‏ فذهبوا إلى كراهة صومها متّصلةً برمضان متتابعةً، ونصّوا على حصول الفضيلة ولو صامها في غير شوّال، بل استحبّوا صيامها في عشر ذي الحجّة، ذلك أنّ محلّ تعيينها في الحديث في شوّال على التّخفيف في حقّ المكلّف، لاعتياده الصّيام، لا لتخصيص حكمها بذلك‏.‏

قال العدويّ‏:‏ إنّما قال الشّارع‏:‏ ‏"‏ من شوّال ‏"‏ للتّخفيف باعتبار الصّوم، لا تخصيص حكمها بذلك الوقت، فلا جرم إن فعلها في عشر ذي الحجّة مع ما روي في فضل الصّيام فيه أحسن، لحصول المقصود مع حيازة فضل الأيّام المذكورة‏.‏ بل فعلها في ذي القعدة حسن أيضاً، والحاصل‏:‏ أنّ كلّ ما بعد زمنه كثر ثوابه لشدّة المشقّة‏.‏

و - صوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر‏:‏

13 - اتّفق الفقهاء على أنّه يسنّ صوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر، وذهب الجمهور منهم - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى استحباب كونها الأيّام البيض - وهي الثّالث عشر والرّابع عشر والخامس عشر من كلّ شهر عربيّ - سمّيت بذلك لتكامل ضوء الهلال وشدّة البياض فيها، لما روى أبو ذرّ رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال له‏:‏ » يا أبا ذرّ، إذا صمت من الشّهر ثلاثة أيّام، فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة «‏.‏

قال الشّافعيّة‏:‏ والأحوط صوم الثّاني عشر معها - أيضاً - للخروج من خلاف من قال‏:‏ إنّه أوّل الثّلاثة، ويستثنى ثالث عشر ذي الحجّة فلا يجوز صومه لكونه من أيّام التّشريق‏.‏ فيبدّل بالسّادس عشر منه كما قال القليوبيّ‏.‏

وذهب المالكيّة إلى كراهة صوم الأيّام البيض، فراراً من التّحديد، ومخافة اعتقاد وجوبها‏.‏ ومحلّ الكراهة‏:‏ إذا قصد صومها بعينها، واعتقد أنّ الثّواب لا يحصل إلاّ بصومها خاصّةً‏.‏ وأمّا إذا قصد صيامها من حيث إنّها ثلاثة أيّام من الشّهر فلا كراهة‏.‏

قال الموّاق‏:‏ نقلاً عن ابن رشد‏:‏ إنّما كره مالك صومها لسرعة أخذ النّاس بقوله، فيظنّ الجاهل وجوبها‏.‏ وقد روي أنّ مالكاً كان يصومها، وحضّ مالك - أيضاً - الرّشيد على صيامها‏.‏

وصوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر كصوم الدّهر، بمعنى‏:‏ أنّه يحصل بصيامها أجر صيام الدّهر بتضعيف الأجر‏:‏ الحسنة بعشرة أمثالها‏.‏

لحديث قتادة بن ملحان رضي الله عنه‏:‏ » كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصوم البيض‏:‏ ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة‏.‏ قال‏:‏ قال‏:‏ وهنّ كهيئة الدّهر « أي كصيام الدّهر‏.‏

ز - صوم الاثنين والخميس من كلّ أسبوع‏:‏

14 - اتّفق الفقهاء على استحباب صوم يوم الاثنين والخميس من كلّ أسبوع‏.‏

لما روى أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما‏:‏ » أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم الاثنين والخميس‏.‏ فسئل عن ذلك‏؟‏ فقال‏:‏ إنّ أعمال العباد تعرض يوم الاثنين والخميس، وأحبّ أن يعرض عملي وأنا صائم «، ولما ورد من حديث أبي قتادة رضي الله عنه‏:‏ » أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم الاثنين فقال‏:‏ فيه ولدت، وفيه أنزل عليّ «‏.‏

ح - صوم الأشهر الحرم‏:‏

15 - ذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة - إلى استحباب صوم الأشهر الحرم‏.‏

وصرّح المالكيّة والشّافعيّة بأنّ أفضل الأشهر الحرم‏:‏ المحرّم، ثمّ رجب، ثمّ باقيها‏:‏ ذو القعدة وذو الحجّة‏.‏

والأصل في ذلك قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ » أفضل الصّلاة بعد الصّلاة المكتوبة الصّلاة في جوف اللّيل، وأفضل الصّيام بعد شهر رمضان صيام شهر اللّه المحرّم «‏.‏ ومذهب الحنفيّة‏:‏ أنّه من المستحبّ أن يصوم الخميس والجمعة والسّبت من كلّ شهر من الأشهر الحرم‏.‏

وذهب الحنابلة إلى أنّه يسنّ صوم شهر المحرّم فقط من الأشهر الحرم‏.‏

وذكر بعضهم استحباب صوم الأشهر الحرم، لكن الأكثر لم يذكروا استحبابه، بل نصّوا على كراهة إفراد رجب بالصّوم، لما روى ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما‏:‏ » أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام رجب «‏.‏

ولأنّ فيه إحياءً لشعار الجاهليّة بتعظيمه‏.‏ وتزول الكراهة بفطره فيه ولو يوماً، أو بصومه شهراً آخر من السّنة وإن لم يل رجباً‏.‏

ط - صوم شهر شعبان‏:‏

16 - ذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة - إلى استحباب صوم شهر شعبان، لما روت عائشة رضي الله تعالى عنها قالت‏:‏ » ما رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أكثر صياماً منه في شعبان «‏.‏

وعنها قالت‏:‏ » كان أحبّ الشّهور إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يصومه شعبان، بل كان يصله برمضان «‏.‏

قال الشّربينيّ الخطيب‏:‏ ورد في مسلم‏:‏ » كان صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان كلّه‏:‏ كان يصوم شعبان إلاّ قليلاً «‏.‏

قال العلماء‏:‏ اللّفظ الثّاني مفسّر للأوّل، فالمراد بكلّه غالبه‏.‏

وعن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ » ما رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قطّ إلاّ رمضان «‏.‏

قال العلماء‏:‏ وإنّما لم يستكمل ذلك لئلاّ يظنّ وجوبه‏.‏

وذهب الحنابلة إلى عدم استحباب صوم شعبان، وذلك في قول الأكثر، واستحبّه صاحب الإرشاد‏.‏

ى - صوم يوم الجمعة‏:‏

17 - لا بأس عند الحنفيّة بصوم يوم الجمعة بانفراده، وهو قول أبي حنيفة ومحمّد ويندب عند المالكيّة، لما روي عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنّه كان يصومه ولا يفطر‏.‏ وقال أبو يوسف‏:‏ جاء حديث في كراهته إلاّ أن يصوم قبله وبعده، فكان الاحتياط أن يضمّ إليه يوماً آخر، قال ابن عابدين‏:‏ ثبت بالسّنّة طلبه والنّهي عنه، والآخر منهما النّهي، لأنّ فيه وظائف، فلعلّه إذا صام ضعف عن فعلها‏.‏

ومحلّ النّهي عند المالكيّة هو مخافة فرضيّته، وقد انتفت هذه العلّة بوفاة النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى كراهة إفراد يوم الجمعة بالصّوم، لحديث‏:‏ » لا يصم أحدكم يوم الجمعة، إلاّ أن يصوم قبله أو بعده « وليتقوّى بفطره على الوظائف المطلوبة فيه، أو لئلاّ يبالغ في تعظيمه كاليهود في السّبت، ولئلاّ يعتقد وجوبه، ولأنّه يوم عيد وطعام‏.‏

حكم الشّروع في صوم التّطوّع

18 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى لزوم صوم التّطوّع بالشّروع فيه، وأنّه يجب على الصّائم المتطوّع إتمامه إذا بدأ فيه، لما ورد أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ » إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائماً فليصلّ، وإن كان مفطراً فليطعم « قوله‏:‏ فليصلّ‏:‏ أي فليدع‏.‏

قال القرطبيّ‏:‏ ثبت هذا عنه عليه الصلاة والسلام، ولو كان الفطر جائزاً لكان الأفضل الفطر، لإجابة الدّعوة الّتي هي السّنّة‏.‏

وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى عدم لزوم صوم التّطوّع بالشّروع فيه، ولا يجب على الصّائم تطوّعاً إتمامه إذا بدأ فيه، وله قطعه في أيّ وقت شاء، لما روت عائشة رضي الله تعالى عنها قالت‏:‏ » قلت‏:‏ يا رسول اللّه، أهدي لنا حيس، فقال‏:‏ أرنيه، فلقد أصبحت صائماً فأكل « وزاد النّسائيّ‏:‏ » إنّما مثل صوم التّطوّع مثل الرّجل يخرج من ماله الصّدقة، فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها «‏.‏

ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ » الصّائم المتطوّع أمين نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر «‏.‏

إفساد صوم التّطوّع وما يترتّب عليه

19 - صرّح المالكيّة بحرمة إفساد صوم التّطوّع لغير عذر، وهو ما يفهم من كلام الحنفيّة، حيث جاء في الفتاوى الهنديّة ما نصّه‏:‏ ذكر الرّازيّ عن أصحابنا أنّ الإفطار بغير عذر في صوم التّطوّع لا يحلّ، هكذا في الكافي‏.‏

وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى كراهة قطعه بلا عذر، واستحباب إتمامه لظاهر قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ‏}‏، وللخروج من خلاف من أوجب إتمامه‏.‏

ومن الأعذار الّتي ذكرها الحنفيّة والمالكيّة لجواز الفطر‏:‏ الحلف على الصّائم بطلاق امرأته إن لم يفطر، فحينئذ يجوز له الفطر، بل نصّ الحنفيّة على ندب الفطر دفعاً لتأذّي أخيه المسلم‏.‏ لكن الحنفيّة قيّدوا جواز الفطر إلى ما قبل نصف النّهار أمّا بعده فلا يجوز‏.‏

وكذلك من الأعذار عند الحنفيّة‏:‏ الضّيافة للضّيف والمضيف إن كان صاحبها ممّن لا يرضى بمجرّد الحضور، وكان الصّائم يتأذّى بترك الإفطار، شريطة أن يثق بنفسه بالقضاء، وقيّد المالكيّة جواز الفطر بالحلف بالطّلاق بتعلّق قلب الحالف بمن حلف بطلاقها، بحيث يخشى أن لا يتركها إن حنث، فحينئذ يجوز للمحلوف عليه الفطر، ولا قضاء عليه أيضاً‏.‏

ومن الأعذار - أيضاً -‏:‏ أمر أحد أبويه له بالفطر‏.‏ وقيّد الحنفيّة جواز الإفطار بما إذا كان أمر الوالدين إلى العصر لا بعده، قال ابن عابدين‏:‏ ولعلّ وجهها أنّ قرب وقت الإفطار يرفع ضرر الانتظار‏.‏

وألحق المالكيّة بالأبوين‏:‏ الشّيخ في السّفر، الّذي أخذ على نفسه العهد أن لا يخالفه، ومثله عندهم‏:‏ شيخ العلم الشّرعيّ‏.‏

وصرّح الشّافعيّة باستحباب قطع صوم التّطوّع إن كان هناك عذر، كمساعدة ضيف في الأكل إذا عزّ عليه امتناع مضيفه منه، أو عكسه‏.‏ أمّا إذا لم يعزّ على أحدهما امتناع الآخر عن ذلك فالأفضل عدم خروجه منه‏.‏

20 - واختلف الفقهاء في حكم قضاء صوم التّطوّع عند إفساده‏:‏

فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى وجوب قضاء صوم التّطوّع عند إفساده‏.‏

لما روت عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت‏:‏ » كنت أنا وحفصة صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهيناه، فأكلنا منه، فجاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فبدرتني إليه حفصة - وكانت ابنة أبيها - فقالت‏:‏ يا رسول اللّه إنّا كنّا صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه، فقال‏:‏ اقضيا يوماً آخر مكانه «‏.‏

ولأنّ ما أتى به قربةً، فيجب صيانته وحفظه عن البطلان، وقضاؤه عند الإفساد لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ‏}‏، ولا يمكن ذلك إلاّ بإتيان الباقي، فيجب إتمامه، وقضاؤه عند الإفساد ضرورةً، فصار كالحجّ والعمرة التّطوّعين‏.‏

ومذهب الحنفيّة‏:‏ وجوب القضاء عند الإفساد مطلقاً، أي‏:‏ سواء أفسد عن قصد - وهذا لا خلاف فيه - أو غير قصد، بأن عرض الحيض للصّائمة المتطوّعة وذلك في أصحّ الرّوايتين، واستثنوا من ذلك‏:‏ صوم العيدين وأيّام التّشريق، فلا تلزم بالشّروع، لا أداءً ولا قضاءً، إذا أفسد، لارتكابه النّهي بصيامها، فلا تجب صيانته، بل يجب إبطاله، ووجوب القضاء ينبني على وجوب الصّيانة، فلم يجب قضاءً، كما لم يجب أداءً‏.‏

وخصّ المالكيّة وجوب القضاء بالفطر العمد الحرام، وذلك كمن شرع في صوم التّطوّع، ثمّ أفطر من غير ضرورة ولا عذر، قال الحطّاب‏:‏ احترز بالعمد من النّسيان والإكراه، وبالحرام عمّن أفطر لشدّة الجوع والعطش والحرّ الّذي يخاف منه تجدّد مرض أو زيادته، وكذلك عمّن أفطر لأمر والديه وشيخه، وعدّوا السّفر الّذي يطرأ عليه من الفطر العمد‏.‏ وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لا يجب القضاء على من أفسد صوم التّطوّع، لأنّ القضاء يتبع المقضيّ عنه، فإذا لم يكن واجباً، لم يكن القضاء واجباً، لكن يندب له القضاء، سواء أفسد صوم التّطوّع بعذر أم بغير عذر، خروجاً من خلاف من أوجب قضاءه‏.‏

ونصّ الشّافعيّة والحنابلة على أنّه إذا أفطر الصّائم تطوّعاً لم يثب على ما مضى، إن خرج منه بغير عذر، ويثاب عليه إن خرج بعذر‏.‏

الإذن في صوم التّطوّع

21 - اتّفق الفقهاء على أنّه ليس للمرأة أن تصوم تطوّعاً إلاّ بإذن زوجها، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ » لا تصم المرأة وبعلها شاهد، إلاّ بإذنه «، ولأنّ حقّ الزّوج فرض، فلا يجوز تركه لنفل‏.‏

ولو صامت المرأة بغير إذن زوجها صحّ مع الحرمة عند جمهور الفقهاء، والكراهة التّحريميّة عند الحنفيّة، إلاّ أنّ الشّافعيّة خصّوا الحرمة بما يتكرّر صومه، أمّا ما لا يتكرّر صومه كعرفة وعاشوراء وستّة من شوّال فلها صومها بغير إذنه، إلاّ إن منعها‏.‏

ولا تحتاج المرأة إلى إذن الزّوج إذا كان غائباً، لمفهوم الحديث ولزوال معنى النّهي‏.‏

قال الشّافعيّة‏:‏ وعلمها برضاه كإذنه‏.‏

ومثل الغائب عند الحنفيّة‏:‏ المريض، والصّائم والمحرم بحجّ أو عمرة، قالوا‏:‏ وإذا كان الزّوج مريضاً أو صائماً أو محرماً لم يكن له منع الزّوجة من ذلك، ولها أن تصوم وإن نهاها‏.‏

وصرّح الحنفيّة والمالكيّة بأنّه لا يصوم الأجير تطوّعاً إلاّ بإذن المستأجر، إن كان صومه يضرّ به في الخدمة، وإن كان لا يضرّه فله أن يصوم بغير إذنه‏.‏

22 - وإذا صامت الزّوجة تطوّعاً بغير إذن زوجها فله أن يفطّرها، وخصّ المالكيّة جواز تفطيرها بالجماع فقط، أمّا بالأكل والشّرب فليس له ذلك، لأنّ احتياجه إليها الموجب لتفطيرها إنّما هو من جهة الوطء‏.‏

التّطوّع بالصّوم قبل قضاء رمضان

23 - اختلف الفقهاء في حكم التّطوّع بالصّوم قبل قضاء رمضان‏:‏

فذهب الحنفيّة إلى جواز التّطوّع بالصّوم قبل قضاء رمضان من غير كراهة، لكون القضاء لا يجب على الفور، قال ابن عابدين‏:‏ ولو كان الوجوب على الفور لكره، لأنّه يكون تأخيراً للواجب عن وقته الضّيّق‏.‏

وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى الجواز مع الكراهة، لما يلزم من تأخير الواجب، قال الدّسوقيّ‏:‏ يكره التّطوّع بالصّوم لمن عليه صوم واجب، كالمنذور والقضاء والكفّارة‏.‏ سواء كان صوم التّطوّع الّذي قدّمه على الصّوم الواجب غير مؤكّد، أو كان مؤكّداً، كعاشوراء وتاسع ذي الحجّة على الرّاجح‏.‏

وذهب الحنابلة إلى حرمة التّطوّع بالصّوم قبل قضاء رمضان، وعدم صحّة التّطوّع حينئذ ولو اتّسع الوقت للقضاء، ولا بدّ من أن يبدأ بالفرض حتّى يقضيه، وإن كان عليه نذر صامه بعد الفرض أيضاً، لما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ » من صام تطوّعاً وعليه من رمضان شيء لم يقضه فإنّه لا يتقبّل منه حتّى يصومه «، وقياساً على الحجّ في عدم جواز أن يحجّ عن غيره أو تطوّعاً قبل حجّ الفريضة ومسألة انقلاب الصّوم الواجب إلى تطوّع، والنّيابة في صوم التّطوّع سبق تفصيلها في مصطلح‏:‏ ‏(‏تطوّع ف 19، 27‏)‏

صَوْمَعة

انظر‏:‏ معابد

صَوْمُ النّذر

انظر‏:‏ نذر

صِيَاغَة

التّعريف

1 - الصّياغة لغةً‏:‏ من صاغ الرّجل الذّهب يصوغه صوغاً وصياغةً جعله حليّاً فهو صائغ وصوّاغ، وعمله الصّياغة‏.‏

واصطلاحاً‏:‏ لا يخرج استعمال الفقهاء لهذا المصطلح عن معناه اللّغويّ‏.‏

الحكم الإجمالي

2 - صياغة الذّهب والفضّة وغيرهما حليّاً من الحرف المشروعة في الجملة‏.‏

وإنّما يحرم منها صياغة الحليّ المحرّمة، كالحليّ المتّخذة من الذّهب للرّجال‏.‏

والأصل أنّه لا يجوز احتراف عمل محرّم بذاته كالاتّجار بالخمر، واحتراف الكهانة، أو ما يؤدّي إلى الحرام أو يكون فيه إعانة على الحرام كالكتابة في الرّبا‏.‏

انظر مصطلح‏:‏ ‏(‏حليّ، واحتراف، وإجارة‏)‏‏.‏

كما يحرم الاستئجار على صياغته للرّجال أمّا بيعه فهو جائز، لأنّ عينها تملك إجماعاً‏.‏

3 - وقد اتّفق الفقهاء على ردّ شهادة صاحب الحرفة المحرّمة الّتي يكثر فيها الرّبا كالصّائغ والصّيرفيّ إذا لم يتوقّيا الرّبا‏.‏

انظر مصطلح‏:‏ ‏(‏حرفة‏)‏‏.‏

ويتعلّق بالصّياغة جملة من الأحكام‏:‏

4 - منها‏:‏ ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم اعتبار الصّياغة في بيع الذّهب بالذّهب والفضّة بالفضّة، فيشترط في جواز بيعها التّماثل في وزن المصوغ فيجب أن يساوي المصوغ غير المصوغ في الوزن‏.‏

انظر مصطلح‏:‏ ‏(‏صرف‏)‏‏.‏

5- ومنها‏:‏ يحلّ للمرأة اتّخاذ حليّ الذّهب والفضّة بجميع أنواعها، ويحرم على الرّجل الحليّ من الذّهب والفضّة إلاّ التّختّم من الفضّة بمقدار مثقال‏.‏

ينظر مصطلح‏:‏ ‏(‏حليّ‏)‏‏.‏

6- ومنها‏:‏ اتّفق الفقهاء على وجوب الزّكاة في مصوغ الحليّ المستعمل استعمالاً محرّماً كحليّ الرّجل، واختلفوا في زكاة ما تتّخذه المرأة‏.‏

وينظر تفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏حليّ، وزكاة‏)‏‏.‏

7- ومنها‏:‏ أنّ تراب دكاكين الصّاغة وهو ما يتخلّف عن الصّياغة من رماد ولا يدرى ما فيه من ذهب أو فضّة، لا يجوز بيعه إلاّ بالفلوس أو بعوض من غير الفلوس، ولا يجوز بيعه بذهب أو بفضّة، لأنّه لا يخلو من ذهب أو فضّة فيؤدّي بيعه بهما إلى الرّبا لعدم العلم بالتّماثل‏.‏

وللتّفصيل ينظر مصطلح‏:‏ ‏(‏تراب الصّاغة‏)‏‏.‏

8- ومنها‏:‏ يجب على المحتسب أن يحتسب على الصّاغة في عملهم، لأنّ حرفة الصّياغة ممّا يكثر فيها التّدليس والغشّ، وذلك في الأمور التّالية‏:‏

أ - أن يبيعوا الحليّ المصوغة بغير جنسها ليحلّ فيها التّفاضل‏.‏

ب - أن يبيّن للمشتري مقدار ما في الحليّ المصوغة من غشّ إن وجد‏.‏

ج - إذا أراد صياغة شيء من الحليّ فلا يسبكه إلاّ بحضرة صاحبه بعد تحقيق وزنه، فإن فرغ من سبكه أعاد الوزن وإن احتاج إلى لحام فإنّه يزنه قبل إدخاله فيه ولا يركّب شيئاً من الفصوص والجواهر على الخواتم والحليّ إلاّ بعد وزنه بحضرة صاحبها‏.‏

صِيَال

التّعريف

1 - الصّيال في اللّغة‏:‏ مصدر صال يصول، إذا قدم بجراءة وقوّة، وهو‏:‏ الاستطالة والوثوب والاستعلاء على الغير‏.‏

ويقال‏:‏ صاوله مصاولةً، وصيالاً، وصيالةً، أي‏:‏ غالبه ونافسه في الصّول، وصال عليه أي‏:‏ سطا عليه ليقهره، والصّائل‏:‏ الظّالم، والصّئول‏:‏ الشّديد الصّول، والصّولة‏:‏ السّطوة في الحرب وغيرها، وصؤل البعير‏:‏ إذا صار يقتل النّاس ويعدو عليهم‏.‏

وفي الاصطلاح‏:‏ الصّيال الاستطالة والوثوب على الغير بغير حقّ‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - البغاة‏:‏

2 - البغي‏:‏ الظّلم والاعتداء ومجاوزة الحدّ‏.‏

والبغاة هم‏:‏ قوم من المسلمين، خالفوا الإمام الحقّ بخروج عليه وترك الانقياد له، أو منع حقّ توجّه عليهم، بشرط شوكة لهم، وتأويل لا يقطع بفساده‏.‏

ب - المحارب‏:‏

3 - وهو‏:‏ قاطع الطّريق لمنع سلوك، أو أخذ مال مسلم أو غيره، على وجه يتعذّر معه الغوث والصّائل أعمّ منه، لأنّه يشمل الحيوان وغيره‏.‏

الحكم التّكليفيّ

4 - الصّيال حرام، لأنّه اعتداء على الغير، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ‏}‏‏.‏

وقول الرّسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ » كلّ المسلم على المسلم حرام‏:‏ دمه، وماله، وعرضه «‏.‏

دفع الصّائل على النّفس وما دونها

5 - اختلف الفقهاء في حكم دفع الصّائل على النّفس وما دونها‏:‏

فذهب الحنفيّة - وهو الأصحّ عند المالكيّة - إلى وجوب دفع الصّائل على النّفس وما دونها، ولا فرق بين أن يكون الصّائل كافراً أو مسلماً، عاقلاً أو مجنوناً، بالغاً أو صغيراً، معصوم الدّم أو غير معصوم الدّم، آدميّاً أو غيره‏.‏

واستدلّ أصحاب هذا الرّأي بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ‏}‏‏.‏

فالاستسلام للصّائل إلقاء بالنّفس للتّهلكة، لذا كان الدّفاع عنها واجباً‏.‏

ولقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ‏}‏‏.‏

ولقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ » من قتل دون دمه فهو شهيد «‏.‏

وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ » من أشار بحديدة إلى أحد من المسلمين - يريد قتله - فقد وجب دمه «‏.‏

ولأنّه كما يحرم على المصول عليه قتل نفسه، يحرم عليه إباحة قتلها، ولأنّه قدر على إحياء نفسه، فوجب عليه فعل ذلك، كالمضطرّ لأكل الميتة ونحوها‏.‏

وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إن كان الصّائل كافراً، والمصول عليه مسلماً وجب الدّفاع سواء كان هذا الكافر معصوماً أو غير معصوم، إذ غير المعصوم لا حرمة له، والمعصوم بطلت حرمته بصياله، ولأنّ الاستسلام للكافر ذلّ في الدّين، وفي حكمه كلّ مهدور الدّم من المسلمين، كالزّاني المحصن، ومن تحتّم قتله في قطع الطّريق ونحو ذلك من الجنايات‏.‏ كما يجب دفع البهيمة الصّائلة، لأنّها تذبح لاستبقاء الآدميّ، فلا وجه للاستسلام لها، مثلها ما لو سقطت جرّة ونحوها على إنسان ولم تندفع عنه إلاّ بكسرها‏.‏

أمّا إن كان الصّائل مسلماً غير مهدور الدّم فلا يجب دفعه في الأظهر، بل يجوز الاستسلام له، سواء كان الصّائل صبيّاً أو مجنوناً، وسواء أمكن دفعه بغير قتله أو لم يمكن، بل قال بعضهم‏:‏ يسنّ الاستسلام له لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ » كن كابن آدم « - يعني هابيل- ولما ورد عن الأحنف بن قيس قال‏:‏ خرجت بسلاحي ليالي الفتنة، فاستقبلني أبو بكرة فقال‏:‏ أين تريد‏؟‏ قلت‏:‏ أريد نصرة ابن عمّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ » إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فكلاهما من أهل النّار‏.‏ قيل‏:‏ فهذا القاتل، فما بال المقتول‏؟‏ قال‏:‏ إنّه أراد قتل صاحبه «‏.‏

ولأنّ عثمان رضي الله عنه ترك القتال مع إمكانه، ومع علمه بأنّهم يريدون نفسه، ومنع حرّاسه من الدّفاع عنه – وكانوا أربعمائة يوم الدّار – وقال‏:‏ من ألقى سلاحه فهو حرّ، واشتهر ذلك في الصّحابة رضي الله عنهم فلم ينكر عليه أحد‏.‏

ومقابل الأظهر - عند الشّافعيّة - أنّه يجب دفع الصّائل مطلقاً، أي سواء كان كافراً أو مسلماً، معصوم الدّم أو غير معصوم الدّم، آدميّاً أو غير آدميّ، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ‏}‏‏.‏

وفي قول ثالث عندهم‏:‏ أنّه إن كان الصّائل مجنوناً أو صبيّاً فلا يجوز الاستسلام لهما، لأنّهما لا إثم عليهما كالبهيمة‏.‏

واستثنى القائلون بالجواز من الشّافعيّة مسائل منها‏:‏

أ - لو كان المصول عليه عالماً توحّد في عصره، أو خليفةً تفرّد، بحيث يترتّب على قتله ضرر عظيم، لعدم من يقوم مقامه، فيجب دفع الصّائل‏.‏

ب - لو أراد الصّائل قطع عضو المصول عليه فيجب دفعه لانتفاء علّة الشّهادة‏.‏

قال الأذرعيّ رحمه الله‏:‏ ويجب الدّفع عن عضو عند ظنّ السّلامة، وعن نفس ظنّ بقتلها مفاسد في الحريم والمال والأولاد‏.‏

ج - قال القاضي حسين‏:‏ إنّ المصول عليه إن أمكنه دفع الصّائل بغير قتله وجب عليه دفعه وإلاّ فلا‏.‏

وذهب الحنابلة إلى وجوب دفع الصّائل عن النّفس في غير وقت الفتنة، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ‏}‏‏.‏

ولأنّه كما يحرم عليه قتل نفسه يحرم عليه إباحة قتلها‏.‏

أمّا في زمن الفتنة، فلا يلزمه الدّفاع عن نفسه، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ » فإن خشيت أن يبهرك شعاع السّيف، فألق ثوبك على وجهك «‏.‏

ولأنّ عثمان رضي الله عنه ترك القتال على من بغى عليه مع القدرة عليه، ومنع غيره قتالهم، وصبر على ذلك‏.‏ ولو لم يجز لأنكر الصّحابة عليه ذلك‏.‏

قتل الصّائل وضمانه

6 - إن قتل المصول عليه الصّائل دفاعاً عن نفسه ونحوها فلا ضمان عليه - عند الجمهور- بقصاص ولا دية ولا كفّارة ولا قيمة، ولا إثم عليه، لأنّه مأمور بذلك‏.‏

أمّا إذا تمكّن الصّائل من قتل المصول عليه فيجب عليه القصاص‏.‏

وخالف الحنفيّة جمهور الفقهاء في ضمان الصّائل، فذهبوا إلى أنّ المصول عليه يضمن البهيمة الصّائلة عليه إذا كانت لغيره، لأنّه أتلف مال غيره لإحياء نفسه، كالمضطرّ إلى طعام غيره إذا أكله‏.‏

ومثل البهيمة عندهم غير المكلّف من الآدميّين، كالصّبيّ والمجنون، فيضمنهما إذا قتلهما، لأنّهما لا يملكان إباحة أنفسهما، ولذلك لو ارتدّا لم يقتلا‏.‏

لكن الواجب في حقّ قاتل الصّبيّ أو المجنون الصّائلين الدّية لا القصاص، لوجود المبيح، وهو دفع الشّرّ عن نفسه، وأمّا الواجب في حقّ قاتل البهيمة فهو القيمة‏.‏

7- ويدفع الصّائل بالأخفّ فالأخفّ إن أمكن، فإن أمكن دفعه بكلام أو استغاثة بالنّاس حرّم الضّرب، أو أمكن دفعه بضرب بيد حرّم بسوط، أو بسوط حرّم بعصاً، أو أمكن دفعه بقطع عضو حرّم دفعه بقتل، لأنّ ذلك جوّز للضّرورة، ولا ضرورة في الأثقل مع إمكان تحصيل المقصود بالأخفّ‏.‏

وعليه فلو اندفع شرّه بشيء آخر، كأن وقع في ماء أو نار، أو انكسرت رجله، أو حال بينهما جدار أو خندق أو غير ذلك لم يكن له ضربه، وإن ضربه ضربةً عطّلته لم يكن له أن يثني عليه، لأنّه كفى شرّه ولأنّ الزّائد على ما يحصل به الدّفع لا حاجة إليه، فلم يكن له فعله‏.‏

والمعتبر في ذلك هو غلبة ظنّ المصول عليه، فلا يكفي توهّم الصّيال، أو الشّكّ فيه، فإن خالف التّرتيب المذكور، وعدل إلى رتبة - مع إمكان دفعه بما دونها - ضمن، فإن ولّى الصّائل هارباً فاتّبعه المصول عليه، وقتله ضمن بقصاص أو دية، وكذا إن ضربه فقطع يمينه ثمّ ولّى هارباً فضربه ثانيةً وقطع رجله مثلاً فالرّجل مضمونة بقصاص أو دية، فإن مات الصّائل من سراية القطعين فعلى المصول عليه نصف الدّية، لأنّه مات من فعل مأذون فيه وفعل آخر غير مأذون فيه‏.‏

واستثنى الفقهاء من ذلك صوراً منها‏:‏

أ - لو كان الصّائل يندفع بالسّوط أو العصا ونحوهما، والمصول عليه لا يجد إلاّ السّيف فله الضّرب به، لأنّه لا يمكنه الدّفع إلاّ به، وليس بمقصّر في ترك استصحاب السّوط ونحوه‏.‏

ب - لو التحم القتال بينهما، واشتدّ الأمر عن الضّبط فله الدّفاع عن نفسه بما لديه، دون مراعاة التّرتيب المذكور‏.‏

ج - إذا ظنّ المصول عليه أنّ الصّائل لا يندفع إلاّ بالقتل فله أن يقتله دون مراعاة التّرتيب المذكور، وكذا إن خاف أن يبدره بالقتل إن لم يسبق هو به فله ضربه بما يقتله، أو يقطع طرفه‏.‏ ويصدّق المصول عليه في عدم إمكان التّخلّص بدون ما دفع به، لعسر إقامة البيّنة على ذلك‏.‏

د - إذا كان الصّائل مهدر الدّم - كمرتدّ وحربيّ وزان محصن - فلا تجب مراعاة التّرتيب في حقّه بل له العدول إلى قتله، لعدم حرمته‏.‏

الهرب من الصّائل

8 - اختلف الفقهاء في وجوب الهرب من الصّائل‏:‏

فذهب جمهور الفقهاء - من الحنفيّة والمالكيّة، وهو المذهب عند الشّافعيّة، ووجه عند الحنابلة - إلى أنّه إن أمكن المصول عليه أن يهرب أو يلتجئ إلى حصن أو جماعة أو حاكم وجب عليه ذلك، ولم يجز له القتال، لأنّه مأمور بتخليص نفسه بالأهون فالأهون، وليس له أن يعدل إلى الأشدّ مع إمكان الأسهل ولأنّه أمكنه الدّفاع عن نفسه دون إضرار غيره فلزمه ذلك‏.‏

واشترط المالكيّة والشّافعيّة لوجوب الهرب أن يكون بلا مشقّة، فإن كان بمشقّة فلا يجب‏.‏ وزاد الشّافعيّة أن يكون الصّائل معصوم الدّم، فلو صال عليه مرتدّ أو حربيّ لم يجب الهرب ونحوه، بل يحرم عليه‏.‏

فإن لم يهرب - حيث وجب الهرب - فقاتل وقتل الصّائل، لزمه القصاص، في قول للشّافعيّة، وهو الأوجه، ولزمته الدّية في القول الآخر لهم أيضاً‏.‏

وأمّا في الوجه الثّاني عند الشّافعيّة والحنابلة فهو عدم وجوب الهرب عليه، لأنّ إقامته في ذلك الموضع جائزة، فلا يكلّف الانصراف‏.‏

وفي قول ثالث عند الشّافعيّة‏:‏ أنّ المصول عليه إن تيقّن النّجاة بالهرب وجب عليه، وإلاّ فلا يجب‏.‏

الدّفاع عن نفس الغير

9 - لا يختلف قول الحنفيّة والمالكيّة في الدّفاع عن نفس الغير وما دونها من الأطراف إذا صال عليها صائل عن قولهم في الدّفاع عن النّفس إذا كان المصول عليه معصوم الدّم، بأن يكون من المسلمين أو من أهل الذّمّة، وأن يكون مظلوماً‏.‏

واستدلّوا في وجوب الدّفاع عن نفس الغير وأطرافه بنفس الأدلّة الّتي استدلّوا بها في المسألة السّابقة‏.‏

وذهب الشّافعيّة إلى أنّ الدّفاع عن نفس الغير - إذا كان آدميّاً محترماً - حكمه كحكم دفاعه عن نفسه، فيجب حيث يجب، وينتفي حيث ينتفي، إذ لا يزيد حقّ غيره على حقّ نفسه، ومحلّ الوجوب - عندهم - إذا أمن الهلاك على نفسه، إذ لا يلزمه أن يجعل روحه بدلاً عن روح غيره، إلاّ إذا كان ذلك في قتال الحربيّين والمرتدّين فلا يسقط الوجوب بالخوف الظّاهر، وهذا أصحّ الطّرق عندهم‏.‏

وعند الشّافعيّة قولان آخران في هذه المسألة‏:‏

أوّلهما‏:‏ يجب الدّفاع عن نفس غيره وما دونها من الأطراف قطعاً، لأنّ له الإيثار بحقّ نفسه دون غيره، ولقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ » من أُذلّ عنده مؤمن فلم ينصره - وهو قادر على أن ينصره - أذلّه اللّه عزّ وجلّ على رءوس الخلائق يوم القيامة «‏.‏

ثانيهما‏:‏ لا يجوز الدّفاع عن نفس الغير، لأنّ شهر السّلاح يحرّك الفتن، وخاصّةً في مجال نصرة الآخرين، وليس الدّفاع عن الغير من شأن آحاد النّاس، وإنّما هو وظيفة الإمام وولاة الأمور‏.‏

ويجري هذا الخلاف في المذهب بالنّسبة لآحاد النّاس، أمّا الإمام وغيره - من الولاة - فيجب عليهم دفع الصّائل على نفس الغير اتّفاقاً‏.‏

أمّا عند الحنابلة فيجب الدّفاع عن نفس غيره وما دونها من الأطراف في غير فتنة، ومع ظنّ سلامة الدّافع والمدفوع عنه، وإلاّ حرّم الدّفاع‏.‏

دفع الصّائل عن العرض

10 - أجمع الفقهاء على أنّه يجب على الرّجل دفع الصّائل على بضع أهله أو غير أهله، لأنّه لا سبيل إلى إباحته، ومثل الزّنا بالبضع في الحكم مقدّماته في وجوب الدّفع حتّى لو أدّى إلى قتل الصّائل فلا ضمان عليه‏.‏ بل إن قتل الدّافع بسبب ذلك فهو شهيد، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ » من قتل دون أهله فهو شهيد «‏.‏

ولما في ذلك من حقّه وحقّ اللّه تعالى - وهو منع الفاحشة - ولقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ » انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً «‏.‏

إلاّ أنّ الشّافعيّة شرطوا لوجوب الدّفاع عن عرضه وعرض غيره‏:‏ أن لا يخاف الدّافع على نفسه، أو عضو من أعضائه، أو على منفعة من منافع أعضائه‏.‏

أمّا المرأة المصول عليها من أجل الزّنا بها، فيجب عليها أن تدفع عن نفسها إن أمكنها ذلك، لأنّ التّمكين منها محرّم، وفي ترك الدّفع نوع تمكين، فإذا قتلت الصّائل - ولم يكن يندفع إلاّ بالقتل - فلا تضمنه بقصاص ولا دية، لما روى أنّ رجلاً أضاف ناساً من هذيل، فأراد امرأةً على نفسها، فرمته بحجر فقتلته، فقال عمر رضي الله عنه‏:‏ واللّه لا يودى أبداً‏.‏

ولقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ » من قتل دون عرضه فهو شهيد «‏.‏

وفي المغني‏:‏ لو رأى رجلاً يزني بامرأته - أو بامرأة غيره - وهو محصن فصاح به، ولم يهرب ولم يمتنع عن الزّنا حلّ له قتله، فإن قتله فلا قصاص عليه ولا دية، لما روى أنّ عمر - رضي الله عنه - بينما هو يتغدّى يوماً إذ أقبل رجل يعدو ومعه سيف مجرّد ملطّخ بالدّم، فجاء حتّى قعد مع عمر، فجعل يأكل وأقبل جماعة من النّاس، فقالوا‏:‏ يا أمير المؤمنين‏:‏ إنّ هذا قتل صاحبنا مع امرأته فقال عمر‏:‏ ما يقول هؤلاء‏؟‏ قال‏:‏ إنّه ضرب فخذي امرأته بالسّيف، فإن كان بينهما أحد فقد قتله فقال لهم عمر‏:‏ ما يقول‏؟‏ قالوا‏:‏ ضرب بسيفه فقطع فخذي امرأته فأصاب وسط الرّجل فقطعه باثنين فقال عمر‏:‏ إن عادوا فعد‏.‏

11 - وإذا قتل رجلاً، وادّعى أنّه وجده مع امرأته، فأنكر وليّ المقتول فالقول قول الوليّ، لما روي عن عليّ رضي الله عنه أنّه سئل عن رجل دخل بيته، فإذا مع امرأته رجل، فقتلها وقتله، قال عليّ‏:‏ إن جاء بأربعة شهداء، وإلاّ فليعط برمّته، ولأنّ الأصل عدم ما يدّعيه، فلا يسقط حكم القتل بمجرّد الدّعوى‏.‏

إلاّ أنّ الفقهاء اختلفوا في البيّنة‏:‏

فقال الجمهور‏:‏ إنّها أربعة شهداء، لخبر عليّ السّابق، ولما ورد أنّ سعد بن عبادة رضي الله عنه قال‏:‏ » يا رسول، أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلاً أأمهله حتّى آتي بأربعة شهداء‏؟‏ فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ نعم « الحديث‏.‏

وفي رواية عند الحنابلة أنّه يكفي شاهدان، لأنّ البيّنة تشهد على وجود الرّجل على المرأة، وليس على الزّنا‏.‏

وكذا لو قتل رجلاً في داره، وادّعى أنّه قد هجم على منزله، فأنكر وليّ المقتول، قال الحنفيّة‏:‏ إن لم تكن له بيّنة، ولم يكن المقتول معروفاً بالشّرّ والسّرقة، قتل صاحب الدّار قصاصاً، وإن كان المقتول معروفاً بالشّرّ والسّرقة لم يقتصّ من القاتل في القياس، وتجب الدّية في ماله لورثة المقتول في الاستحسان، لأنّ دلالة الحال أورثت شبهةً في القصاص لا المال‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ إن لم تكن له بيّنة يقتصّ منه، ولا يصدّق في دعواه، إلاّ إذا كان بموضع ليس يحضره أحد من النّاس، فيقبل قوله بيمينه‏.‏

وقال الشّافعيّة‏:‏ لم يقبل قوله إلاّ ببيّنة، ويكفي في البيّنة قولها‏:‏ دخل داره شاهراً السّلاح، ولا يكفي قولها‏:‏ دخل بسلاح من غير شهر، إلاّ إن كان معروفاً بالفساد أو بينه وبين القتيل عداوة فيكفي ذلك للقرينة‏.‏

وقال الحنابلة‏:‏ لم يقبل قوله إلاّ ببيّنة، وإلاّ فعليه القصاص، سواء كان المقتول يعرف بفساد أو سرقة أو لم يعرف بذلك، فإن شهدت البيّنة‏:‏ أنّهم رأوا هذا مقبلاً إلى هذا بالسّلاح المشهور فضربه هذا، فقد هدر دمه، وإن شهدوا أنّهم رأوه داخلاً داره، ولم يذكروا سلاحاً، أو ذكروا سلاحاً غير مشهور لم يسقط القصاص بذلك، لأنّه قد يدخل لحاجة، ومجرّد الدّخول لا يوجب إهدار دمه‏.‏

وإن تجارح رجلان، وادّعى كلّ منهما قائلاً‏:‏ إنّي جرحته دفعاً عن نفسي، حلف كلّ منهما على إبطال دعوى صاحبه، وعليه ضمان ما جرحه، لأنّ كلّ واحد منهما مدّع على الآخر ما ينكره، والأصل عدمه‏.‏

والتّفاصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏قصاص، شهادة‏)‏‏.‏

دفع الصّائل على المال

12 - ذهب الحنفيّة - وهو الأصحّ عند المالكيّة - إلى وجوب دفع الصّائل على المال وإن كان قليلاً لم يبلغ نصاباً، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ » قاتل دون مالك «‏.‏

واسم المال يقع على القليل كما يقع على الكثير‏.‏ فإذا لم يتمكّن من دفع الصّائل على ماله إلاّ بالقتل فلا شيء عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ » من قتل دون ماله فهو شهيد «‏.‏ ولم يفرّقوا بين ماله ومال غيره‏.‏ فقد ذكر في الخانيّة‏:‏ أنّه لو رأى رجلاً يسرق ماله فصاح به ولم يهرب، أو رأى رجلاً يثقب حائطه، أو حائط غيره، وهو معروف بالسّرقة فصاح به ولم يهرب حلّ له قتله، ولا قصاص عليه‏.‏

إلاّ أنّ المالكيّة اشترطوا للوجوب أن يترتّب على أخذه هلاك، أو شدّة أذىً، وإلاّ فلا يجب الدّفع اتّفاقاً‏.‏

وذهب الشّافعيّة إلى أنّه لا يجب الدّفع عن المال، لأنّه يجوز إباحته للغير، إلاّ إذا كان ذا روح أو تعلّق به حقّ الغير كرهن وإجارة فيجب الدّفاع عنه، قال الإمام الغزاليّ‏:‏ وكذا إن كان مالاً محجوراً عليه، أو وقفاً أو مالاً مودعاً، فيجب على من هو بيده الدّفاع عنه، وهذا كلّه إذا لم يخش على نفس، أو على بُضْع، وعليه فإذا رأى شخصاً يتلف حيوان نفسه إتلافاً محرّماً وجب عليه الدّفاع عنه، من باب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر‏.‏ كما ذهبوا إلى أنّه إذا قتل الصّائل على المال فلا ضمان عليه بقصاص ولا دية ولا كفّارة ولا قيمة، لأنّه مأمور بالأدلّة السّابقة بالقتال والقتل، وبين الأمر بالقتال والضّمان منافاة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ‏}‏‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ » انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً «‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ » من قتل دون ماله فهو شهيد «‏.‏

ويستثنى عندهم من جواز الدّفاع عن المال صورتان‏:‏

إحداهما‏:‏ لو قصد مضطرّ طعام غيره، فلا يجوز لمالكه دفعه عنه، إن لم يكن مضطرّاً مثله، فإن قتل المالك الصّائل المضطرّ إلى الطّعام وجب عليه القصاص‏.‏

والأخرى‏:‏ إذا كان الصّائل مكرهاً على إتلاف مال غيره، فلا يجوز دفعه عنه، بل يلزم المالك أن يقي روحه بماله، كما يتناول المضطرّ طعامه، ولكلّ منهما دفع المكره‏.‏

قال الأذرعيّ‏:‏ وهذا في آحاد النّاس، أمّا الإمام ونوّابه فيجب عليهم الدّفاع عن أموال رعاياهم‏.‏

وذهب الحنابلة إلى أنّه‏:‏ لا يلزمه الدّفاع عن ماله على الصّحيح، ولا مال غيره، ولا حفظه من الضّياع والهلاك، لأنّه يجوز بذله لمن أراده منه ظلماً، وترك القتال على ماله أفضل من القتال عليه‏.‏

وقيل‏:‏ يجب عليه الدّفاع عن ماله‏.‏

أمّا دفع الإنسان عن مال غيره فيجوز ما لم يفض إلى الجناية على نفس الطّالب، أو شيء من أعضائه‏.‏

وقال جماعة من الحنابلة‏:‏ يلزمه الدّفاع عن مال الغير مع ظنّ سلامة الدّافع والصّائل، وإلاّ حرّم الدّفاع‏.‏

قالوا‏:‏ ويجب عليه معونة غيره في الدّفاع عن ماله مع ظنّ السّلامة، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ » انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً «، ولأنّه لولا التّعاون لذهبت أموال النّاس وأنفسهم، لأنّ قطّاع الطّريق إذا انفردوا بأخذ مال إنسان - ولم يعنه غيره - فإنّهم يأخذون أموال الكلّ، واحداً واحداً‏.‏